المقريزي
257
المقفى الكبير
فطرقت الباب فنزل إلينا شيخ فسلّمت عليه ، فردّ السلام . فقلت : الأستاذ أبو المسك كافور يخصّ الشيخ بالسلام . فقال : والي بلدنا ؟ قلت : نعم . قال : حفظه اللّه ! اللّه يعلم أنّي أدعو له في الخلوات وأدبار الصلوات ما اللّه تعالى سامعه ومستجيب [ إليه ] . قلت : وقد أنفذ معي هذه وسأل قبولها لتصرف في مؤنة هذا العيد المبارك . فقال : هو يرعانا ، ونحن نحبّه في اللّه ، وما نفسد هذا بغلّة « 1 » . فراجعته القول فتبيّنت الضجر في وجهه والقلق والتلهّف على العود إلى حيث كان . فاستحييت من اللّه أن أقطعه عمّا هو عليه ، وعلمت أنّها من الليالي الأربع « 2 » ، وانصرفت . فوجدت [ الأمير ] قد تهيّأ للركوب وعليه سواده وهو منتظر لي . فقال لي : هيه يا أبا بكر ؟ فقلت له : أرجو أن يستجيب اللّه تعالى لك دعوة دعيت في هذه [ 179 ب ] الليلة وفي هذا اليوم الشريف . فقال لي : أنت مبارك . وأخبرته بامتناع ابن جابار وبقوله . فقال : هو جديد ، ولم يجر بيننا وبينه معاملة قبل هذا الوقت - وضحك ثمّ قال : عد إليه ، واركب دابّة من دوابّ النوبة ، ولست أشكّ فيما لقيت دابّتك في هذه الليلة من التعب ، فإذا نزل إليك سيقول لك : ألم تكن عندي ؟ - فلا تردّ عليه جوابا واستفتح وقل : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى * الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى * لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى [ طه : 1 - 6 ] يا ابن جابار ، قال لك كافور ، ومن كافور الأسود ، ومن مولاه ، ومن الخلق ؟ لا معه ملك يشركه ، تلاشى الناس كلّهم ههنا . من معطيك ؟ على من رددت ؟ ما تفرّق بين السبب والمسبّب ! « 3 » ( قال ) فركبت وسرت فطرقت منزله ، فنزل إليّ وقال لي مثل لفظ الأستاذ سواء ، فأضربت عن الجواب واستفتحت بالقراءة حتى بلغت إلى قوله : وَما تَحْتَ الثَّرى [ ف ] قلت له ما قال كافور . فبكى وقال : أين ما حملت ؟ - فأخرجت الصرّة فأخذها وقال : علّمنا الأستاذ كيف التصرّف . قل له : أحسن اللّه جزاءك . قال : فعدت إليه فأخبرته فسرّ بذلك وركب حينئذ . قال ابن ميسّر : توفّي سنة إحدى وستّين وثلاثمائة . وقال أبو محمد المسكيّ إنّه توفّي سنة اثنتين وستّين ، وقبره ظاهر يزار ويتبرّك به عند قبر أبي الحسن الفقاعيّ . وقال أبو عليّ حسن بن محمد بن حسن بن مروان الأمويّ الورّاق في كتاب زيارات القرافة : ذكر قوم من الزوّار أنّ من قرأ عند قبر ابن جابار هذا قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إحدى عشرة مرّة
--> ( 1 ) عبارة الكواكب : كيف يغرّنا بالدنيا ؟ ( 2 ) الليالي الأربع : لعلّها من مصطلحات المتصوّفة الخاصّة بالعيد . ( 3 ) عبارة الكواكب : البلاد بلاد اللّه والأرض أرض اللّه والمال مال اللّه ، فإن أخذت أخذت من اللّه ، وإن رددت رددت على اللّه ( ص 128 ) .